الجاحظ

133

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

وخطب آخر في وسط دار الخلافة ، فقال في خطبته : « وأخرجه اللّه من باب الليسية ، فأدخله في باب الأيسية » . وقال مرة أخرى في خطبة له : « هذا فرق ما بين السارّ والضارّ ، والدفاع والنفاع » . وقال مرة أخرى : « فدلّ ساتره على غامره ، ودل غامره على منحله » . فكاد إبراهيم بن السّندي يطير شققا ، وينقد غيظا . هذا وإبراهيم من المتكلمين ، والخطيب لم يكن من المتكلمين . وإنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن اتساع المعاني . وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر أبي نواس وفي كل ما قالوه على وجه التظرّف والتملّح ، كقول أبي نواس : وذات خد مورّد * قوهية المتجرد « 1 » تأمّل العين منها * محاسنا ليس تنفد فبعضها قد تناهى * وبعضها يتولد والحسن في كل عضو * منها معاد مردد وكقوله : يا عاقد القلب مني * هلا تذكّرت حلا تركت مني قليلا * من القليل أقلا يكاد لا يتجزأ * أقلّ في اللفظ من لا وقد يتملح الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية ، كقول العماني للرشيد ، في قصيدته التي مدحه فيها :

--> ( 1 ) قوهية : بيضاء .